الشعب الذي قاوم العولمة منذ ثلاثين قرنا
بقلم الكاتب التونسي \ الهادي ثابت
ألحت عليّ ابنتي الصغرى كي أرافقها إلى قرى البربر في جبال مطماطة. كانت تبحث في موضوع إبداع الطفل في مجال اللًّعِب والألعاب. ابنتي هذه تُدَرّس فنون الأشكال Design produit بمدرسة الفنون الجميلة. وكانت ترجو من زيارتها لتلك القرى أن تتأكد من بلورة الفكرة التي دفعتها لاختيار هذا الموضوع الصعب والطريف، إذ لم تجد أبحاثًا كثيرة في هذا المجال. وتتمثل أطروحتها في أنّ طفل المدن الحديثة، خلافا لطفل القرى النائية، يفتقر إلى الإبداع والاستنباط في لَعِبه وألعابه.
حللنا بتلك الجبال الجميلة، وكانت في أبهى حلتها بعد أن هطلت عليها أمطار الربيع وازدانت ببعض الحشائش، غطّت اصفرارها الأبدي. قصدنا إحدى القرى، وكم كانت خيبتنا كبيرة عندما وجدنا أنّ جل سكانها هجروها، لكن البلدة ظلّت شامخة، تحطّ بيوتها المتراصة على صخور الجبل الأملس، مكدّسة بعضها على بعض. كان لي هناك صديق عاكف على قمّة الجبل، جاعلا من بيته القديم متحفا للسياح، وقد جمع فيه أشياء كثيرة تذكّر بتاريخ القرية، وتشهد على مدى رقيّ سكانها القدامى. أدوات من الموادّ الطبيعيّة كانوا يصنعونها بأيدهم، ويستعملونها في حياتهم اليومية قبل أن تزحف عليهم الحضارة العصرية بأدوات وآلات لم يراع صنّاعها لا اختلافات المناخ ولا أصول الحضارات. أدوات صناعيّة من البلاستيك تفتقر إلى أبسط قواعد الذوق الحضاري السليم.
كان صاحبي شابا في الثلاثين من عمره، لكنه يمتلك معرفة وفهما وممارسة تفوق سنه. عندما شرحنا له الموضوع، تنهد وقال:
- لا يوجد أطفال في قريتنا، رحلوا مع أهلهم إلى المدن.
- ومن يقطن القرية؟
- بعض العجائز والشيوخ الذين ظلّوا متشبثين بالأرض إلى يوم رحيلهم عن الدنيا.
كانت القرية تشبه الحصن، لا يمكن للزائر الغريب التنقل داخلها، فأزقتها تلتوي على بعضها البعض، تصب أحيانا في منحدر خطير، وأحيانا أخرى تؤدي إلى أزقة مسدودة، أو أبواب عريضة مصنوعة من خشب النخيل مهترئة. وقد شرح لي صديقي كيف أن كل بيوت القرية يؤدي بعضها إلى بعض من خلال دهاليز محفورة بين البيوت تكون مداخلها سرية لا يعرفها إلاّ بعض شيوخ القرية، وتلك الدهاليز تؤدي إلى نفق طويل يبتعد عن القرية بضعَ كيلومترات. وعندما سألته:
- لماذا كل هذا العناء؟
- لأن سكانها كانوا من الأمازيغ.
- تعني البربر؟
- هذه الكلمة دخيلة علينا، نحن شعب الأمازيغ أي الشعب السيد.
- وما دخل الأمازيغ في هذه الهندسة الغريبة؟
- ما أن تضعف حضارة حتى تبتلعها حضارة أخرى. تلك سنّة الحضارات منذ النشأة. شعب الأمازيغ كان عرضة منذ بداية التاريخ إلى زحف الحضارات الغازية، ولكنه رفض أن يُبتلع.
أعدت سؤالي مازحا:
- ولماذا كل هذا العناء؟
- لأنكّ لن تُبْتَلع إذا ظللتَ تمتلك ما يميزك عن غيرك.
شعبنا عريق، وعراقته في لغته التي تحدّت كل الحضارات العاتية: فينيقية، لاتينية، وندالية، بيزنطية، عربية، فرنسية. لقد أخذ الشعب الأمازيغي من كل هذه الحضارات دون أن تبتلعه لأنه عرف كيف يحافظ على لغته، فتميز عن تلك الحضارات وأصبح سيد نفسه.
- وهل يصمد شعب الأمازيغ أمام زحف العولمة؟
كان بيت صديقي على قمّة الجبل، نظر إلى الأفق، ثم أعلن:
- سأصاحبكم إلى قرية تبعد بضعَ كيلومترات عن الطريق الرئيسية، وسترون كيف أنّ الأمازيغ ما زالوا يمارسون نفس وسائل الدفاع عن وجودهم.
انتقلنا إلى قرية توجد على أحد المرتفعات الكثيرة المنتشرة على امتداد البصر، وهي جبال مطماطة، تنطلق من مشارف شط الجريد بقبلي إلى قلب الصحراء بليبيا، وجل سكانها في الماضي القريب كانوا من البربر أو الأمازيغ كما يحلوا لصاحبي تسميتهم. كانت الطريق ضيقة ووعرة، بعضها يغطيه الإسفلت والبعض الآخر مفروش بالحصباء، وكانت البيوت القصيرة المبنية بالحجارة الرملية التي تعترضنا من حين لآخر لا توحي بوجود بشري.
سألت صاحبي عن سر هذا الصمت في هذه البيوت، فقال:
- رحل سكانها إلى المدينة لكنهم يعودون إليها في الصيف. لا بد للأمازيغي من العودة في الصيف حيث تقام الأعراس، وزيارة الأولياء، ويتعرف الشبان على زوجات المستقبل، الأمازيغي الحر لا يتزوج سوى أمازيغية، ولو أنّ بعضهم أخذ يتخلى عن هذه العادة.
بعد عناء كبير وصلنا القرية الجاثمة على قمّة الجبل. لم تكن تختلف كثيرا عن القرى الجبلية الأخرى: أزقة ملتوية وبيوت قصيرة، بعضها مبني بالإسمنت وله هندسة عصرية لا تتناسب مع مجموع هندسة البيوت الأخرى - ربما أخذ الزحف الحضاري يطول البيوت قبل أن يطول اللغة – وعند ساحة القرية توقفنا أمام دكان العطار، حانوت يعرض صاحبه فيه كل ما يلزم من المواد الغذائية. تحدّث صاحبي إلى الدكانيّ بلغة البربر التي لا أفقهها، فرحب بنا، ثم طلب من أحد الأطفال أن يصطحب ابنتي إلى أحد البيوت حيث قامت بأبحاثها.
ظللت بالدكان ما يقارب الساعتين أترقب ابنتي، ورأيت ك
المزيد